• ×
الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 | 09-21-2020

قطر كذبت الكذبة وصدَّقتها!

0
0
124
 كنتُ قد قرأتُ تحليلاً نفسيًّا، مفاده أن الشخص إذا كذب كذبة، واستمر في ترويجها وتأكيدها، سيصدقها يومًا، وتصبح عنده مسلَّمة غير قابلة للنقاش! خَطَر لي هذا التحليل وأنا أستمع لخطابات وتصريحات المسؤولين القطريين التي تشغل كذبة حرية الرأي والتعبير حيزًا منها، تارة باتهام الدول الداعية لمكافحة الإرهاب عندما طالبت بإغلاق قناة الجزيرة والقنوات التابعة لها ووسائل الإعلام كافة التي تدعمها قطر بشكل مباشر أو غير مباشر (المتطلبان السادس والحادي عشر من المتطلبات الجماعية من قطر) بانتهاك حرية الرأي والتعبير، وتارة أخرى بادعاء قطر أنها الدولة الوحيدة التي تحترم حرية الرأي والتعبير في محيط إقليمي يقمعها وينتهكها. وكل ذلك لاستمالة الدول والمجتمعات الغربية والمنظمات الدولية التي تضفي قداسة على حرية الرأي والتعبير، وتقدمها في سلم الأولويات على كثير من الحقوق، ولتأليبها على الدول الداعية لمكافحة الإرهاب!

كنت أظن أن تختفي هذه الكذبة مع الأيام؛ لأنها مكشوفة إلى درجة أن أبسط إنسان باستطاعته أن يدحضها بسؤال واحد أو حتى بإشارة، وليس من الحكمة الاستمرار والتمادي فيها، إلا أن المسؤولين في قطر ما زالوا يروجونها في كل ظهور لهم، بل إنها وردت في خطاب أمير قطر الذي أدلى به في 21 يوليو 2017م؛ وهذا ما يجعلني أقول إن قطر صدقت كذبتها!

الذي يزعم أنه يحترم حرية الرأي والتعبير حق الاحترام، ويتهم الآخرين بانتهاكها، لا بد أن يكون نموذجًا يحتذى في احترامها وحمايتها والوفاء بها، وهو أمر غير متحقق في قطر؛ فالاطلاع على أول صفحة من ملف حرية الرأي والتعبير في قطر كفيل بوضعها في "أسفل القائمة!"، وهذا ليس زعمًا أو كلامًا مرسلاً، بل يستطيع أبسط إنسان أن يجري مقارنة بين وضع حرية الرأي والتعبير في قطر ووضعها في غيرها من دول الخليج، وإذا لم يكن لديه وقت لهذا فما عليه إلا الاطلاع على التقارير الرسمية الصادرة عن آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وتقارير المنظمات غير الحكومية؛ فقد تضمنت ملاحظات وانتقادات وحالات تثبت بجلاء أن حرية الرأي والتعبير في قطر ليست أحسن حالاً منها في الدول التي تتهمها بقمعها وانتهاكها، وذلك في نظر تلك الآليات والمنظمات.

الجدير بالنظر أن تلك الانتقادات والملاحظات لم تقف عند حد الإخفاق في التدابير الإجرائية (التنفيذية)، أو ما يعرف بالحالات الفردية، بل قد طالت البنية التشريعية لحرية الرأي والتعبير في قطر؛ إذ أشارت اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) إلى أن قانون المطبوعات والنشر لعام 1979م يتضمن عقوبات قاسية، بما في ذلك السجن. كما أعربت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن أسفها لعدم وجود معلومات بشأن قضية ناشط في مجال حقوق الإنسان، أُلقي القبض عليه في مارس 2011م (في إشارة للناشط سلطان الخليفي)، ومدافعين آخرين عن حقوق الإنسان. وأعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن قلقها إزاء حالة شاعر، حُكم عليه بالسجن لمدة 15 عامًا بتهمة التحريض على قلب نظام الحكم في قطر، والإساءة إلى رموز الدولة (في إشارة للشاعر محمد بن الذيب الذي أُفرج عنه مؤخرًا). وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن قانون الإعلام لسنة 2012م في قطر يقيد حرية وسائط الإعلام، ويحد من حرية التعبير. وحذرت العديد من المنظمات من أن الحكومة القطرية لا تزال تتذرع بتشريعات تقييدية ومطلقة لإلقاء القبض على الصحفيين والمدونين على شبكة الإنترنت، وما زالت تقيِّد بشكل قاسٍ الوصول إلى وسائط الإعلام الدولية والمواقع الإخبارية على الإنترنت، وأنها تتحكم بصرامة في المنافذ الإعلامية المحلية. وأشارت منظمة العفو الدولية إلى أن حرية الرأي والتعبير تخضع لرقابة صارمة في قطر، وأن الصحافة كثيرًا ما تمارس الرقابة الذاتية. وأشارت منظمات إلى أنه في 1 إبريل 2011م أُلقي القبض على صحفيَّيْن اثنَيْن معتمدَيْن، يعملان في مؤسسة الإذاعة والتلفاز السويسرية عندما كانا يعدان تقريرًا عن التحضير لمباريات كأس العالم لكرة القدم لسنة 2022م التي ستستضيفها قطر، واحتُجزا لمدة (13) يومًا، وأُوقعت غرامات عليهما قبل إطلاق سراحهما!

حرية الرأي والتعبير بالنسبة لقطر ليست إلا منتجًا معدًّا للتصدير؛ بهدف تنفيذ أجنداتها الأيديولوجية والسياسية، ولا يُسمح باستخدامه داخليًّا إطلاقًا؛ فوسائل الإعلام القطرية أو التي ترعاها قطر، وفي مقدمتها الكذبة التاريخية "قناة الجزيرة"، تتناول كل شيء يحدث في كل دولة من دول العالم، أو حتى الذي لم يحدث بعد، بالنقد أو بالتأييد بحسب الخطط المرسومة لها، إلا ما يحدث في قطر! وهذا ما يجعلني أشك أن هناك خريطة للعالم عُممت على جميع الإعلاميين العاملين في تلك الوسائل الإعلامية، وقد سقطت منها قطر (عمدًا)، وكأنما قيل لهم أمامكم العالم، ومعكم أقلامكم وألسنتكم، ولكنه العالم بدون قطر! بعكس وسائل الإعلام في الدول الداعية لمكافحة الإرهاب؛ فترى فيها تقارير وتحقيقات ومقالات وغيرها من مواد إعلامية تنتقد أداء الحكومات أشد الانتقاد، الذي قد يكون عقوبته في قطر السجن المؤبد!